محمد بن عمر التونسي

326

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

الطريق ، اشتد علينا حرّ الشمس ، وكان الفقيه تمرّو راكبا على جمل ، فأخذ ملحفته وفردها ، ثم رجع وضمّها بين يديه ، وقرأ عليها بعض أسماء ، ثم قذفها إلى أعلى . فانفرد [ ت ] على رأسه كأنها ظلّة ، وظلّلته هو وصاحبه من حرّ الشمس ، كأنها ممسوكة من أطرافها بين رجلين ، تتبعهما أينما توجّها كالمظلّة ، وهذا الأمر من أغرب ما يسمع وأعجبه ( 302 ) . ومنها : بينما هما سائران في سفرهما ذاك ، إذ نزل عليهما المطر ، فقال الفقيه تمرّو لخادم كان معهما : ائتني بقبضة من التراب . فناوله إيّاها فأخذها بيده ، وقرأ عليها بعض كلمات ، ثم نثر التراب حول رأسه ، فانقشع السحاب ، وصار المطر ينزل عن يمينهما ويسارهما ، وهما يمشيان في اليبس ، لا تنزل عليهما قطرة . ومما بلغني ، أن المساليط اقتتلوا مع الفلّان ، في بعض الأحيان ، وهزموهم ، واقتفوا أثرهم ليستأصلوهم ، فعمل الفلّان شيئا من سحرهم ، فسحروا أعين المساليط ، حتى إنهم كانوا يرون أثر الذّهاب معكوسا ، كأنه أثر المجىء . ولقد بلغني من شيخنا الفقيه مدنى الفوتاوى - عليه سحائب الرحمة - أن ملك البرنو كان له كاتب جليل القدر ، على غاية من التقوى والصلاح ، فجاء إليه الوزير الأعظم وقال له : إن الملك يأمرك أن تكتب كتابا لفلان ، مضمونه كذا وكذا . فأبى الكاتب عليه وقال : لا أكتب إلا أن يقول لي السلطان بنفسه ، أو يرسل لي علامة تدل على صدق رسوله . فذهب الوزير إلى السلطان وأخبره بما قاله الكاتب ، فدعاه السلطان وقال له : قد أذنتك أن كلّما قال لك وزيري هذا ، اكتب لكذا أو كذا على لساني ، أن تكتب له . وكان الخاتم الذي تختم به الأوامر السلطانية مع الكاتب